..( كنت في الماضي هانئاً بقناعاتي ، أما الآن فأنا في ظمأ إلى حياة أخرى ، حياة تسري في شرايينها الأمنيات لا الملل واليأس . لقد حطمتني الشيخوخة، فأنا من مواليد 1910 وكان يجب أن أتقاعد من زمان لولا الشعور بالواجب، غير أني الآن سأكتب ما استطعت وإن صارت أيامي الأخيرة قليلة، إذ أني أجرُّ القلم جرّاً كما يجرّون بدوياً إلى الصلاة وأنا راضً عن ذلك.) قد تكون هذه السطور القليلة ذات الدلالة آخر ما كتبه الأب حنانيا عبدوش قبل رحيله قبيل انتصاف ليل الخميس الخامس من آب من العام 1999. هو الذي قال ذات مرة: << الموت ليس موضوع حزن مادام الله يدعونا إليه لنرجع ونكون معه. أعماق المسيحية هي انتظار الحياة بعد الموت وترَّجي الرجوع بعد الرحيل أما سر نصرتنا على الموت فهو السيد المسيح الذي غلب الموت وحطّم الخوف منه.>> … في الصحوة الأخيرة له لم يشأ أن يبقى صامتاً وقد تراءى له من بعيد ذاك الطوفان القادم من علٍ فخاطبه بتحدي وكبرياء :
<< أيها السيل الآتي من أعالي الموت ابتعد فأنا ابن التسعين لم أنضج بعد .>>
خمسة وثلاثين يوماً بقي خلالها طريح الفراش قضى أغلبها في غرفة العناية المشددة بمشفى الكندي في السقيلبية ومن ثمّ بيته . في المشفى قُدمت له ووضُعت تحت تصرفه أرفع الخدمات فكان بين أيادٍ أمينة حيث أطباء البلدة وكفاءاتهم العالية اجتمعوا من حوله .
قال مرةً: << في عرفنا ليست الحياة هذه إلا سبيلاً إلى الحياة الباقية والموت معبرٌ من حياة فانية إلى حياة خالدة. >> .
صامتاً أغمض عينيه وكان قد دخل في حبسة كلامية وتغَيّم وعي ونقص تروية دماغية إثر حالة انتانية عامة نتيجة تقيح بجوف البطن بعد تمزق المثانة والمستقيم مما أدى ذلك إلى توقف القلب نهائياً بحسب التقرير الطبي .
نعته مطرانية حماة للروم الأرثوذكس ، وفي الصباح حيث عظة الجمعة نعاه خطباء المساجد في المنطقة وأشادوا بمناقبيته كما أكدوا على دوره الهام في بث الروح التعاونية والتآلف والتعايش المشترك والتسامحية بين الأديان كما دعوا إلى المشاركة في تشييعه في الخامسة بعد الظهر .
تقدم النعش الجنازة محمولاً على أكتاف عدداً من الآباء الكهنة ، وسط حشد بشري كبير أتى من معظم المناطق والقرى القريبة والبعيدة وليس فقط من السقيلبية حيث توافد أهلها منذ الصباح لاغين مواعيدهم وأشغالهم كما أغلقوا محالهم التجارية ودكاكينهم واتجهوا إلى الكنيسة القديمة حيث وُضع الجثمان ليلقوا النظرة الأخيرة على فقيدهم الكبير .
طافت الجنازة شوارع البلدة لتصل إلى كنيسة القديسين بطرس وبولس. مشى فيها قيادات من الدولة والحزب وهيئات رسمية وشعبية ، وصلى على روحه واحد وعشرين رجل دين يتقدمهم مطراني حلب وحماة ومطران ثالث ناب عن البطريرك هزيم .
كما أُلقيت كلمات عدة من جهات شعبية و دينية ( مسيحية وإسلامية ) ، عددت خصال ومزايا شخصيته و ذكّرت بالدور التأسيسي البارز الذي لعبه الأب الفقيد في توطيد العلاقة الأخوية الطيبة بين أبناء السقيلبية والجوار خاصة وأبناء الوطن عامة، ضمن فهم حقيقي للكهنوت.
غيث العبدالله
السقيلبية



على
على 

في كل لقاء لي مع أبي الروحي كنت أقول له أخاف من الموت وكعادته بابتسامته الرائعة كات يجيبني آمن بأن الموت هو العبور الى الحياة وعندها لن تخاف. وأتت الأيام الأخيره وكنت في زيارة طبية له في المشفى وكان في غيبوبه فقلت له:
هل عرفتني ؟ ظاناً أنه لايسمعني ولكن عقله وروحه وابتسامته الرائعه التي تشفي وتريح بدت واضحه وماغاب الا صوته الرائع فقط. مسكني من يدي ضغط عليها وانهالت دموعي وللحظات سمعت تراتيله الملائكية وعدت الى وعيي وقلت أبتي هل مازال الموت هو العبور الى الحياة ؟ ضغط على يدي بقوه وظهرت الابتسامة على وجهه.
حقا ان المسيح سيدنا ومخلصنا انتصر على الموت بالموت وكانت الحياة الأبدية.
ودعت أبتي مقبلاً يده للمرة الأولى في حياتي لأنه كان يرفض ذلك دوماً وغادرت المشفى وفكرت بالحياة الأبدية. واليوم كان الجواب هاهو:
أبتي الروحي الى الأبد موجود بيننا دوماً فسلام لروحه الطاهرة وليكن ذكره مؤبداً .
لا أدري لماذا اختاره الرب قي ذلك اليوم بالذات ؟!
هل ليكون الى جواره في هذا اليوم المقدس؟
هل كي تتذكر السقيلبية دائما هذه الشعلة التي أنارت سماء السقيلبية على مدى أكثر من ستين عاما ؟
أضاءتها عملا ممزوجا بحب و مسامحة نادرا ما يتمتع بها بشر
لقد كان شيخا كما يجب للشيوخ أن تكون و كان شابا بحلاوة روحه و نشاطه أكثر من الشباب
قلت له مرة ليت والدك بارك خطوبتك على الفرنسية التي أحببتها ربما كنت الآن في فرنسا ربما مفكرا كبيرا أو فيلسوف شهيرا
قال لي :
يا جدي أنا سعيد جدا في حياتي و السعادة تأتي من الرضا عن الذات أولا و العمل و خدمة الناس بحب
كان يتصل بي تلفونيا أحيانا الى عيادتي و بعد أن يسلم علي يقول اسمعي هذا و يبدأ بالقاء شعر ربما قرأه في كتاب فأعجبه أو ألفه بنفسه
كنت أحيانا لا أسمع ما يقول لان تقكيري يذهب الى أعماقه ما هذا الشيخ الذي لا يستسلم أيدا و كنت أفكر ليته أورثني و لو جزء بسيط من مورثاته
كانت علاقته بأحفاده متفردة كنت أستمتع بوجوده مع جدتي في حياتي و كنت أخاف فقدانهما و فقدان هذا الاحساس الذي كانا يهبانه لي بل للجميع
لقد أحب الحياة حتى الثمالة و بنفس الوقت لم يكن يخاف الموت و هو رجل
الدين المؤمن بالحياة الثانية
رحمك الله جدي و ليتك تتكرر و لو مرة أخرى بزمن آخر في السقيلبية فنحن بأمس الحاجة لأمثالك
في مثل هذا اليوم ابى الرب ان يتجلى بدون ان تكون الى جانبه…
في مثل هذا اليوم رحلت عنا يا مفخرة الرجال وسيدها…بكى قلبي الما وحزننا على رحيلك…اما كان يجب ان تبقى نورا وفكرا وانسانيةونحن الان في هذا الزمن الصعب بأشد الحاجة اليك…عزاي هو اننا لابد لنا ان نلتقي يا جدي في مكان وزمان اخر , ان شاء الله.
اتقدم بالشكر الجزيل الى الاخ غيث العبدالله على هذا السعي والجهد الكبير في اظهار منعطف فائق الاهمية يجب التوقف عنده باجلال واكبار منعطف هو من اهم المراحل من تاريخ وحاضر السقيلبية…
هنيئا للرب بك ابونا حنانيا
انه ليوم عظيم لرجل عظيم ان يرحيل من هذه الدنيا الفانيه الي جوار الرب
في هذا اليوم
الف رحم للروحك الطاهر
وليكون ذكرك مؤابدا
والف شكر لك استاذ غيث على ما قدمته لنا عن الاب حنانيا
سقلوبي حر