بعد انقطاع دام قرابة الثمانية أشهر عن التواصل مع رواد موقع الأستاذ غيث و النت عموما بسبب حالة اليأس و الإحباط النابعة عن عدم الرضى عن أداء العديد من التيارات السياسية في مجتمعنا و عن اليأس من الكلمة و العجز عن التأثير أمام هذا المشهد الدامي الذي تشهده بلادنا حيث صوت الرصاص يعلو على صوت الصراع الفكري الحر و الذي أراه المخرج الوحيد للأزمة التي تشهدها بلادنا شريطة توفير المناخ الملائم لها الصراع .
بعد هذه الفترة من الإنقطاع ألزمتني خالتي الصحية على المكوث مطولا في المنزل و إعادة التواصل عبر النت , و مما حفزني على الكتابة قراءتي لمقالة الأستاذ لؤي ضاهر و قراءة نداء عمنا السيد الجليل أبو عفيف , حيث لمست تدرجا فكريا انتقل بشكل سلس و هادىء إلى حد بعيد من مقال تطرق لأمور هامة حاملا بصمات شبابنا اللذين نفخر بهم و بحماستهم و سعيهم للانتقال من موقع المنفعل لموقع الفاعل في حياة مجتمعنا , إلى أن تلاقحت أفكار هذا المقال مع وجهات نظر أساتذة أكثر نضجا بحكم عمرهم المعرفي و التفاعلي .
لقد انتهى هذا التفاعل الجميل الى حالة منتجة تمثلت بمناقشة المادة الثالثة من الدستور المزمع إصداره و طرحه للإستفتاء الشعبي , و هذا ما أعادني بالذاكرة لما قرأته عن جلسات البرلمان السوري المنعقدة لمناقشة الدستور في الكيان الشامي عام 1950 , حيث طرح في حينها النائب عن دمشق المحامي الأستاذ عصام المحايري ما يمكن تلخيصه ” يؤسفني أن تناقش كل مواد الدستور بجلسة واحدة و أن تستغرق دراسة المادة المتعلقة بدين الدولة عدة جلسات ” و ردا على النواب المحسوبين على الإسلام المحمدي السياسي اللذين قالوا بأن المسلمين المحمديين هم أغلبية في سورية فلهم الحق بأن يسموا دين الدولة بالإسلام المحمدي , و يمكنني تلخيص رده عليهم حيال ذلك بقوله ” أنا مسلم محمدي و لا أقبل من أي أحد أن يعتبر نفسه وصيا و معبرا عن كل المسلمين المحمديين في الكيان الشامي , فأنا سوري قومي اجتماعي و أؤمن بفصل الدين عن الدولة و منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة و القضاء القوميين . ” .
ألا يمكننا من خلال تلك الذكرى أن نستنتج استنتاجا خطيرا و صادما , استنتاجا مآله أن مجتمعنا السوري لم يتطور كبنية فكرية و ذهنية خلال 62 عام , أي كنا ( و أخشى أننا ما زلنا ) كمجتمع خارج التاريخ نعيش حالة من الجمود الفكري .ألا يقودنا ذلك إلى استنتاج راهنية الأفكار التي حملتها التيارات العلمانية المتصارعة على امتداد ساحة الكيان الشامي و استنتاج تلازم تلك الراهنية بالفشل الذريع لتلك التيارات في تعبيرها سياسيا عن الأفكار التي حملتها .
ألا يكفي هذا الاستنتاج ليشكل صدمة عظيمة لمتحزبي تلك التيارات , و لا تكفي تلك الصدمة لدفعهم لإيقاف هذا الدوران في تلك الحلقة المفرغة لحين إجراء دراسة جدية نقدية شاملة لتجربتهم و أسباب فشلهم و كيفية تجاوز تلك الأسباب حتى لا يعودوا مجددا لإنتاج نفس الأداء المأزوم .
أضع استنتاجاتي تلك برسم المتحزبين شبابا و شيوخا .
و أقترح من خلال هذا المنبر الثقافي مناقشة الدستور كفكر إنساني حقوقي ناظم لحياة المجتمع , و مناقشة المحطات التاريخية الفاصلة التي مر بها تطور الفكر الدستوري في عالمنا البشري الصغير .
و أضع اقتراحي الأخير برسم المحامين من رواد هذا الموقع الراقي



على
على 
صديقي العزيز جورج شكرا لك على اقتراحك للسادة المحامين ,لي رأي قد قلته سابقا وهو اننا للاسف منذ الاستقلال عن الدولة العثمانية ولحد اليوم لم نستطع تأسيس دولة على اساس عصري بدستور علماني حقيقي ,علماً اننا من اكثر الامم حاجة لتشريع مثل هذا الدستور كوننا مجتمع متعدد الاديان والاعراق في بيئة جغرافية واحدة,لقد ادى ذلك لوضع حواجز حقيقية فصلت بين ابناء هذا المجتمع وصنفتهم بحسب انتمائاتهم العرقية والدينية.للاسف حتى اغلب التيارات السياسية قد تبنت ذلك التقسيم وتبنت فكرة الاقلية والاكثرية وكانت توزع الادوار والمناصب بحسب النسب المئوية للطوائف والمذاهب ,وهذا ما كنا نلمسه حتى في التشكيلات الحزبية لبعض التيارات الفكرية العلمانية .ما اقصده هو ان المعول عليهم تكريس فكرة المساواة بين ابناء المجتمع الواحد فشلوا في ذلك وتبنوا فكرة الاقلية والاكثرية .اعتقد اننا بحاجة لان نحشد الجهود كتيارات علمانية لان نعمل على دراسة الدستور وحضد الجهود لرفض المواد الدستورية التي تكرس الحواجز بيم الطوائف والمذاهب وذلك قبل ان يتم اقرار دستورنا القادم والذي اعتقد شخصيا انه لن يكون دستورا عصريا بما خص فكرة المواطنة والحقوق المتساوية لابناء الشعب واقتراحي برسم الامانة عند السادة المحامين كما قلت انت !!!!!!!!!!
الدكتور جورج :الحمدالله عالسلامة وشكرا لهذا المقال الذي جاء في وقته ولو ان الرد طويل والتوضيح لايجب ان يكون مختصرا ؟وترددت في ارساله كمقالة او كرد ولكنني تجاوبت معك ومع الاستاذ معن واكتفيت حاليا بالرد من وجهة نظري الشخصية والتي تتفق معكما واؤيد ما اوردتموه من رؤى واضيف:
أن الإنسان يعتبر المكون الأقدس في هذه البسيطة، وهو معني بتشييد حضارتها وعمارتها من بين كل المكونات الحيَّة الأخرى، باعتباره هو المميِّز الأوحد، وماسواه يدخل في خدمته وتحت تصرفه، وكل التشريعات على مختلف مصادرها وتسمياتها، من مهامها الأساسية خدمة هذه المسلمة، ليتمكن الإنسان من أداء وظيفته المنوطة به، ألا وهي عمارة الأرض والعمل على ازدهارها فاحداث اي خلل في هذه المعادلة يعرِّض الحضارة المشيدة للسقوط والإنهيار، والحياة برمتها تصبح في خطر….
إن المجتمع السوري مجتمع موزايكي بأعراقه وأديانه ومذاهبه لايقبل الأفكار الشمولية المقصية مهما كان مصدرها، فكلٌ من الإسلام السياسي والفكر القومي الإستعلائي وديمقراطية الأكثرية هي مفاهيم مرشحة لتُستخدم كأداة استبداد في إقصاء الآخر المختلف ، فاستجماع السلطات والإمكانيات المادية والمعنوية جميعها في يدٍ واحدة، سيفضي حتماً إلى خلق الأجواء المناسبة لظهور الديكتاتوريات، إن لم توضع لها معايير محددة في الممارسة العملية، ومن هنا تأتي أهمية الديمقراطية التوافقية واللامركزية السياسية التي تتلاءم نصاً وروحاً مع الليبرالية التي تحمي خصوصيات الأشخاص والجماعات على حدٍ سواء، بما ويتناسب طرداً مع مصالح الآخرين، كي لايطغى عنصر على عنصر، أو فكرٌ على فكر، أو قومٌ على قوم، وهي بالطبع تتناسب مع التعددية التي يتكون منها النسيج السوري.
و إذا أسقطنا ما سلف على الوضع السوري فسنرى أنه كان لوأد الحياة السياسية خلال السنين الماضية الدور الكبير في تعزيز سلطة رجال الدين, حتى بات لرجال الدين حصانة اجتماعية تفوق الحصانة النيابية والقضائية, وإذا ما ذكرنا ثلاث سلطات دستورية, فقد أقام رجال الدين والمشايخ سلطة رابعة لهم يمارسون دوراً في المجتمع يفوق الدور المناط بهم دينياً حتى بات يقارب دور الكهنة في العصور الوسطى.
•لقد بات مطلب إخراج السياسة والتشكيلات الاجتماعية الحزبية من تحت إبط رجال الدين أمراً أكثر من ضروري,
**الايمان الديني يعني الاصرار على عدم معرفة الحقيقة ((فريدريك نيتشه))
اما بالنسبة للدستور فهوبوصلة المواطن السوري في دولته واقترح تدريسه كمادة تعليمية في المدارس ليعرف كل مواطن حقوقه وواجباته ؟وعدم حصر هذه المعرفة برجال القانون والمحامين
وانا كمحامي ارى انه لابد من تعديل الدستورالسوري كلما دعت حاجة الاجيال الواعية !!!!والتحولات الديموغرافية !!!!والتطورات الفكرية والحزبية !!!!
فمثلا المادة الثامنة مادة تمس سياسة الدولة بشكل او باخر في مرحلة الحزب الواحد والقائد ؟؟اما في مرحلة التحول الى التعددية الحزبية لابد من تبديلها لتتناسب وسياسة الدولة في التعدديية الحزبية والسياسية ..
اما المادة الثالثة فهي تمس المواطنية السورية وحق المواطنة حق مشروع لكل مواطن يعيش على الارض السورية ويمارس واجباته فكان لابد من ان ينال حقوقه كاملة التي صانها له الدستور (الجميع متساوون في الحقوق والواجبات )وبالتالي لابد من تعديل المادة الثالثة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
والسؤال الذي يطرح نفسه :
هل نحن مهيئون سياسيا وحزبيا لالغاء المادة الثامنة ؟؟؟؟
هل نحن مهيئون بمعتقداتنا الدينية لالغاء المادة الثالثة ؟؟؟
هل لدينا قانون انتخاب عصري يتماشى مع الغاء هاتين المادتين ؟؟؟
هل نحن مستعدون لفصل الدين عن الدولة حقيقة وليس شعار ؟؟؟
هذا ما ساتركه برسم الاخوة الساسة للاجابة والتوضيح عفوا ؟؟!!!!
عسى أن يكون جيلنا جيلاً تنويرياً قادراً على إشعال بصيص ضوء في ليل أمتنا
لقد اختصرت قدر المستطاع ؟ وساوافيكم لاحقا بمقال عن الدستور السوري (انسانيا وتاريخيا وفكريا )
لكم مني كل الاحترام
إن مايشهده وطننا من حراك منوع بأشكاله المختلفة,من سلمي ومسلح وسلفي تكفيري وإصلاح موعود,هذا الحراك قد كرس ثورة فكرية في عقولنا بكل ماتعنيه هذه الكلمة من معنى,واستفاقت جميع عقول الشعب على هذا التطور الطبيعي حتى بات حاجة ملحة أكثر من حاجاتنا اليومية المتعددة,إن البعض من الأخوة مُصر على عدم فهمه لهذا التطور واسترحامه على العهد القديم الذي كان سائداً,إن وجود مادة في الدستور مثل المادة الثالثة لايصب سوى في مصلحة الغرب والاستعمار والتخلف والجهل وبقاء وطننا متقلب غير مستقر متناحر بين طوائفه المتعددة,من هنا يجب العمل على إلغائها لكي ننعم بسلام واستقرار وراحة البال هذا أولاً, أما ثانياً:إن المادة الثالثة في بندها الأول تستهدف بإقصاء شريحة واسعة من المجتمع عن تقليد مناصب الحكم العليا,للتوضيح أكثر,تنص المادة الثالثة في بندها الأول إن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام,وهذا غير مقتصر على رئيس الجمهورية فقط وإنما كذلك على رئيس الحكومة لأن من صلاحيات رئيس الحكومة ممارسة سلطة رئيس الجمهورية في بعض الأحيان إذاً حددت عن طريق القياس دين رئيس الحكومة الإسلام, وأيضاً كذلك رئيس مجلس النواب من صلاحياته كذلك بعض سلطات رئيس الجمهورية وهذا أيضا عن طريق القياس دينه الإسلام..إذاً السلطات الثلاث بالدولة مقتصرة على الإسلام فقط,نحن لسنا ضد الإسلام كدين أو فكر أو عقيدة,وإنما في هذا التحديد يعني إقصاء لشريحة كبيرة من المجتمع,لنكن دقيقين أكثر إن الإسلام المقصود هنا هو الإسلام السني,أي خرج من مفهوم الإسلام جميع طوائفه بالإضافة إلى المسيحيين واليهود واليزيديين والملحدين,إذا جمعنا هذه الطوائف مع بعضها البعض يصبحون أغلبية أكثر من الإسلام السني هذا من ناحية أما من ناحية أخرى إن أخر إحصائية لتعدد السكان في سورية تتجاوز الثلاث والعشرين مليون نسمة وهؤلاء فقط الذين يقطنون فوق أراضي الجمهورية أي من دون المغتربين,وأخر إحصائية لوزارة المغتربين قبل إدماجها مع الخارجية حددت المغتربين السوريين بستة عشر مليون سوري,يتجاوز المسيحيين منهم إحدى عشر مليون وثماني مائة ألف مغترب مسيحي,هؤلاء يحق لهم الانتخاب بمفهوم المواطنة إذا جمعناهم مع الطوائف الغير سنية والغير إسلامية أصبحوا يشكلون مانسبته70%من سكان سوريا على حد تقدير,أما الأمر الثالث والأهم برأيي هو أن أكثر من نصف المسلمين السنيين العلمانيين والمتنورين يرفضون فكرة تحديد دين رئيس الجمهورية لما فيه من تعدد درجات المواطنة,إذا هل هناك حجة بعد الآن لنقول إن هذا التحديد يتماشى مع الأغلبية أو أن هذا التحديد مقصود منه شيء واحد فقط هو تهميش وإقصاء وتناحر وعدم استقرار وتعدد في درجات المواطنة بين فئات الشعب السوري,هل نقول أن الأخوان المسلمين لن يرضوا ذلك ومرضاة لهم سوف نعطيهم هكذا تحديد باعتراف ضمني أنهم يمثلون غالبية الشعب السوري,إذاً مع كل الأسباب التي ذكرت لايوجد حجة على بقائها,ولكي أقطع الطريق على قليلي الفهم من أجل لايتزاكون ويعلقون ويقولون إن دستور عام1972قد ألغى هذه المادة ماذا حل بالبلاد(قامت الدنيا وما قعدت من الأخوان المسلمين وتحت ضغطهم أعادها القائد الراحل للدستور)بجاوبهم:ألم ينعم وطننا ويرتاح منهم منذ الثمانينات,ألم يكن وطننا مستقر هادئ طوال عقود ثلاث من الطائفية,ألم يكن سيطرة حزب البعث العلماني في هذه العقود محكمة,لماذا إذاً لم تتغير أو تحذف,السؤال للذي يخطر بباله هكذا سؤال…
أما البند الثاني من المادة الثالثة والتي تقول مصدر التشريع في سوريا الشريعة الإسلامية بحجة أنهم أغلبية,الجواب أولاً أحيله لما ذكرت سابقاً وأتمم كذلك :بقوله تعالى:( لكل منكم خلقنا له شرعاً ومنهاجاً) الله تعالى منذ أكثر من1400سنة يساوي بيننا وأنتم تفرقون بيننا,الآية الثانية في القرآن تقول:قال تعالى(لقد خلق الإنسان على صورته) وأنتم تكفرون بذلك عندما تفرقون بين الشعب على أساس الدين مفهومكم يعني أن هناك صورتين لله واستغفر الله, والأمر الأخر ماهو مصير القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية هل سوف تتعدل لكي تتماشى معها,بالتأكيد سوف تتعدل لأن ليس من المعقول أن تخالف القوانين التي تأتي في المرتبة الثانية من ناحية قوتها الدستور الذي يعتبر الأقوى أو الأعلى بمراتب القوانين(وهذا له بحث مطول جداً لما يتناوله من أمور متعددة من زواج وطلاق وإرث وحضانة ونفقة ووفاة وووووووووإلخ)عندما تسنح لي الفرصة سوف أقوم بمساعدة بعض الحقوقيين لنشر بحث مطول حوله ومخاطره الذي لايعلمها أغلبية الشعب من غير المحاميين والحقوقيين…
جميعنا يود عدم التحدث في الطائفية ولكن في ظل هكذا دستور وما تمر به البلاد لانستطيع التحدث سوى بالطائفية لأن هذا الشيء يمس بوجودي كإنسان على هذه البقعة من الكون كما قال الأستاذ جول الموزاييك.لذلك التحدث عن الدستور الحديث ومخاطره يأخذ قسماً من الطائفية لإصلاحه والابتعاد عن هذه الحالة الطائفية التي وصلنا أليها بحكم الواقع….شكراً لك دكتور جورج العبد الله على إثارة هذا الموضوع الذي أحضر له منذ شهرين لتوضيحه… وعذراً على الإطالة..
الحقوقي لؤي الضاهر